الشيخ محمد رشيد رضا

69

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

السحرة ليست الا حبالا وعصيا لا تسعى ولا تتحرك ، وان عصا موسى لم تزل حية تسعى - هو الذي ماز الحق من الباطل ، وعرفت به الآية الإلهية ، والحيلة الصناعية . وكل ما في الامر ان عصا موسى أزالت هذا التخييل بسرعة وهو معنى اللقف ولكن لا نعلم بم كان لها هذا التأثير لأنها آية الهية حقيقة لا امر صناعي حتى نعرف صفته وحقيقته . * * * وقوله تعالى فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ اظهر في هذا المعنى منه في ابتلاع العصا للحبال والعصي إذا فسرت ألفاظه بمعانيها الحقيقية فالذي بطل كان عملا عملوه ، وكيدا كادوه ، وليس شيئا ماديا اوجدوه ، كما علم من سورة طه وسورة يونس ، أي فثبت الحق وفسد ما كانوا يعملون من الحيل والتخييل وذهب تأثيره * * * فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ اي فغلب فرعون وملؤه في ذلك المجمع العظيم الذي كان في عيد لهم ويوم زينة من مواسمهم ضربه موسى موعدا لهم بسؤالهم كما بين في سورة طه ( قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ) لتكون الفضيحة ظاهرة مبينة لجماهير الناس ، ولم يقل فغلبهم موسى لان ذلك لم يكن بكسبه وصنعه - وانقلبوا أي عادوا من ذلك المجمع صاغرين أذلة ، بما رزئوا به من الخذلان والخيبة ، أو صاروا صاغرين . وانما خص هذا بفرعون وملئه وكان المتبادر ان يكون للسحرة أولا وبالذات ولفرعون بالتبع أو للجميع على سواء ، لأنه تعالى بين ما كان من عاقبة السحرة بقوله * * * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ فسره في الكشاف بقوله : وخروا سجدا كأنما ألقاهم ملق لشدة خرورهم ، وقيل لم يتمالكوا مما رأوا فكأنهم ألقوا اه . والمراد ان ظهور بطلان سحرهم وادراكهم فجأة لحقيقة آية موسى « ع . م » وعلمهم بأنها من عند اللّه تعالى لا صنع فيها لمخلوق قد ملأت عقولهم يقينا وقلوبهم ايمانا فكان هذا اليقين في الايمان البرهاني الكامل ، والوجداني الحاكم على الأعضاء والجوارح ، هو الذي ألقاهم على وجوههم سجدا للّه رب العالمين ، الذي بيده ملكوت الخلق أجمعين ، ولم يبق في أنفسهم أدنى مكان لفرعون وعظمته الدنيوية الزائلة ، ولا سيما وقد ظهر لهم صغاره أمام هذه الآية . وفي آية سورة طه فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى ) فالفاء